العلامة المجلسي

112

بحار الأنوار

فحكيم مؤدب ، وأما اليوم الذي أنت فيه فصديق مودع ، وأما غدا فإنما في يديك منه الأمل ، فان يكن أمس سبقك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته ، وإن يكن يومك هذا آنسك بمقدمه عليك ، فقد كان طويل الغيبة عنك ، وهو سريع الرحلة فترود منه وأحسن وداعه . خذ بالثقة من العمل ، وإياك والاغترار بالامل ، ولا تدخل عليك اليوم هم غد ، يكفي اليوم همه ، وغدا داخل عليك بشغله ، إنك إن حملت على اليوم هم غد زدت في حزنك وتعبك ، وتكلفت أن تجمع في يومك ما يكفيك أياما فعظم الحزن وزاد الشغل ، واشتد التعب ، وضعف العمل للأمل ولو أخليت قلبك من الأمل لجددت في العمل ، والأمل الممثل في اليوم غدا أضرك في وجهين : سوفت به العمل وزدت به في الهم والحزن . أولا ترى أن الدنيا ساعة بين ساعتين ، ساعة مضت ، وساعة بقيت ، وساعة أنت فيها ، فأما الماضية والباقية فلست تجد لرخائهما لذة ولا لشدتهما ألما فأنزل الساعة الماضية ، والساعة التي أنت فيها منزلة الضيفين نزلا بك ، فظعن الراحل عنك بذمه إياك ، وحل النازل بك بالتجربة لك ، فاحسانك إلى الثاوي يمحو إساءتك إلى الماضي ، فأدرك ما أضعت به عتابك مما استقبلت ، واحذر أن تجمع عليك شهادتهما فيوبقاك . ولو أن مقبورا من الأموات قيل له : هذه الدنيا أولها إلى آخرها تخلفها لولدك الذي لم يكن لك هم غيره ، أو يوم نرده إليك فتعمل فيه لنفسك ؟ لاختار يوما يستعتب فيه من سيئ ما أسلف على جميع الدنيا به يورثها ولدا خلفه ، فما يمنعك أيها المغتر المضطر المسوف أن تعمل على مهل ، قبل حلول الأجل ، وما يجعل المقبور أشد تعظيما لما في يديك منك ، الا تسعى في تحرير رقبتك ، وفكاك رقك ووقاء نفسك من النار التي عليها ملائكة غلاظ شداد . وقال عليه السلام : أوصيكم عباد الله بتقوى الله عز وجل واغتنام ما استطعتم عملا به من طاعة الله عز وجل في هذه الأيم الخالية ، بجليل ما يشقى عليكم به الفوت